المُعَلِّمُونَ وَالطُّلابُ يَخْرُجُونَ مِنْ مَعْرَكَةٍ إِلَى مَعْرَكَة، وَغَدَتِ المِهْنَةُ مِحْنَة، وَالعَمَلُ بِغَيْرِهَا فِطْنَة، والفِطْنَةُ فِتْنَة، وَظَنُّوا أَنَّ ذَلِكَ بِالمُجْتَمَعِ عِنَايَة، وَكَمْ أَضَرَّتِ العِنَايَةُ الوَاهِيَةُ فَبَاتَتْ فِي حَقِّ الأجْيَالِ جِنَايَة، وَكَمْ مِن مِهْنَةٍ صَارَتْ تُهْمَةً.
فَلَا يَغُرَّنَّكَ مَدْحٌ وَلا يَضُرَّنَّكَ قَدْحٌ.
وَبَعْدَ خِتَامِ مَوْسِمِ عِلْم.
يُوشك أن يبدَأَ عَامٌ تحْدوه الآمالُ.
فمَا أَكْرَمَهَا مِنْ سُوق!
بصُحْبَةٌ تَجَمَّعَت بالحِلْمِ عَلَى مَوَائِدِ العِلْمِ.
وَبَعْدُ ...
إِنَّ العِلْمَ نورٌ، والجَهْلَ دَيْجُورٌ، وشتَّانَ بَيْنَ عَالِمٍ وجَهُول، وَلا يَسْتَوِيَ في مِيزَانِ العَدْلِ مُجْتَهِدٌ وَكَسُول.
وَشَتَّانَ بينَ إحْسَاسٍ يبُثُّ الأمَلَ فِي النَّاس، وإِحْسَاسٍ يبْتُرُ العَمَلَ وَيقْطَعُ الأنْفَاس.
وشَتَّانَ بينَ ارْتِقَاء الرُّوح بجُهْدٍ مَمْنُوح، وَصِغَرِ الحَجْم مَعْ ضَعْفِ العَزْم.
وشتَّانَ بينَ مَنْ يَأْخُذُ بِيَدِكَ لِتَنْهَضَ مِنْ دَرَكَاتِ الهُبُوط، ومَنْ يَزُجُّ بكَ فِي ظُلُمَاتِ القُنُوط.
وَسُبْحَانَ مَنْ جَعَلَ المسَافَةَ بَيْنَ طُمُوحِكَ وَاسْتِصْغَارِ هِمَّتِكَ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأرْض.
فَأمَّا طُمُوحُك بِمَا يُحْيِي فِيك رُوحَ الأمَلِ الذِي يُنَافِي اليَأْس، فَهُوَ مَطْلَبٌ شَرْعِيّ، وَمَطْمَعٌ قَلْبيّ، إنِ اسْتَوْفَيْتَهُ فَقَدْ أَحْرَزْتَ بِهِ أَجَلَّ السِّمَات، وَأَجْمَلَ الصِّفَات.
وَكَمَا قِيل: "بِقَدْرِ مَا تَتَعَنَّى، تَنَالُ مَا تَتَمَنَّى".
وَأَمَّا اسْتِصْغَارُكَ نَفْسَكَ بِمَا يُلْقِي بِكَ فِي دَيَاجِيرِ الذُّلِّ، وَغَمَرَاتِ الانْكِسَارِ، وَغَيَابَاتِ اليَأْس، فَهُوَ مَرْدُودٌ مَرْفُوض، لا تَشْفَعُ لَكَ الحُجَّة، وَلا تَنْفَعُكَ المَحَجَّة.
وَالمُعَلِّمُونَ مُتَفَاوِتُونَ فِي ذَلِكَ وَهُمْ عَلَى طَبَقَات:
فَمِنْهُمْ مَنْ تَنَسَّمَ الدَّرَجَات، وَمِنْهُمْ مَن اسْتَبَدَّتْ بِهِ الدَّرَكَات، وَمِنْهُمْ مَنْ تَرَدَّدَتْ نَفْسُهُ، وتَذَبْذَبَتْ حَالُهُ بَيْنَ هَذَا وَذَاكَ.
وَالعَاقِلُ مَنْ يُصَنِّفُ نَفْسَهُ مِنْ غَيْرِ غُلُوٍّ أَوْ جَفَاء.
وَحِينَ تَرَى نَفْسَكَ فَرْدًا صَغِيرًا لَيْسَ لَهُ قِيمَةٌ بَيْنَ المَلايينِ الَّتِي يَعُجُّ بِهِمْ مَيْدَانُ التَّعْلِيم فَقَدْ قَتَلْتَ نَفْسَك، وَذَبَحْتَ هِمَّتَك بِسِكِّينٍ حَاد.
فَالمَيْدَانُ فَسِيح، يَحُفُّهُ التَّجْرِيح.
وَلَكِنْ ...
مَتَى تَسْتَنْهِضُ عَزِيمَتَك؟
أَيْنَ تَشْحَذُ عَزِيمَتَكَ؟
كَيْفَ تُفَجِّرُ طَاقَتَك؟
مَتَى تَبْحَثُ فِي نَفْسِكَ بِنَفْسِكَ عَنْ مَوْطِنِ قُوَّة، يَأْخُذُ بِيَدِكَ مِن الهُوُّة؟
فَقِيمَةُ الإنْسِانِ فِي المَيْدَانِ بِعَمَلِهِ لا بِحَجْمِه، وَلَنْ تَعْدِمَ ـ أيُّهَا العَاقِلُ ـ فِي نَفْسِكَ مَوْهِبَةً تَنْفَعُك، أَوْ خِبْرَةً تَرْفَعُك.
وَبِنَظْرَةٍ عَمِيقَةٍ فِي مَيْدَانِ المَاضِي، تلُوحُ فِي الآفَاقِ مَقَالةُ القُدمَاءِ مِنَ الحُكَمَاء: التَّعْلِيمُ أَشْرَفُ صِنَاعَة، وَأَرْبَحُ بِضَاعَة، وَأَنْجَعُ شَفَاعَة، وَأَفْضَلُ بَرَاعَة، وَرَبُّهُ ذُو إمْرَةٍ مُطَاعَة، وَهَيْبَةٍ مُشَاعَة، وَرَعيَّةٍ مِطْوَاعَة، يُسَيْطِرُ تَسَيْطُرَ أَمِير، وَيَرَتِّبُ تَرْتِيبَ وَزِير، وَيَتَحَكّمُ تَحكُّمَ قَدِير، وَيَتَشَبّهُ بِذِي مُلْكٍ كَبِير.
وَلا يُنَبّئكَ مِثلُ خَبِير، تِلكَ حَقِيقَةُ التَّعْلِيمِ قَدِيمًا.
وَبِنَظْرَةٍ دَقِيقَةٍ فِي مَيْدَانِ الحَاضِر، تلُوحُ في الآفَاقِ مَقَالةُ المُعاصِرين مِنَ المَسْؤُولِين: التَّعليمُ وَزَارَةٌ مُسْتَهْلِكَة، وَالمُعَلِّمُونَ وَالطُّلابُ يَخْرُجُونَ مِنْ مَعْرَكَةٍ إِلَى مَعْرَكَة، وَغَدَتِ المِهْنَةُ مِحْنَة، وَالعَمَلُ بِغَيْرِهَا فِطْنَة، والفِطْنَةُ فِتْنَة، وَظَنُّوا أَنَّ ذَلِكَ بِالمُجْتَمَعِ عِنَايَة، وَكَمْ أَضَرَّتِ العِنَايَةُ الوَاهِيَةُ فَبَاتَتْ فِي حَقِّ الأجْيَالِ جِنَايَة، وَكَمْ مِن تَجْرِبَةٍ صَارَتْ كُرْبة.
فَالنُّفُوسُ مَائِلةٌ إِلَى أَشْكَالِهَا كَمَا الطُّيُورُ وَاقِعَةٌ عَلَى أَمْثَالِهَا.
أَيُّهَا المُعَلِّمُ:
كُنْ ذَا دَوْرٍ مُشْرِقٍ مُثْمِرٍ فِي مَعَايَشَةِ الأجْيَال عَلَى كُلِّ حَال، فِي ضَوْءِ مَعْرَفَةٍ رَاسِخَةٍ بِنُفُوسِهِمْ التِي تَتَفَاوَتُ فِي مَيُولِهَا نَحْوَ أَهْدَافِهَا، عَلَى اخْتلافِ قَدْرِهَا وَقِيمَتِهَا، فَاعْمَلْ عَلَى بِنَاءِ شَخْصِيَّاتِهِم، وَتَنْمِيَةِ خِبْرَاتِهِم، وَتَوْعِيَةِ أَفْكَارِهِم، وَتَعْدِيلِ سُلُوكِهِم، وَتَوْجِيهِ مِيُولِهِم، وَمُعَالَجَةِ مُشْكِلاتِهِم، وَغَرْسِ القِيَمِ الإيجَابِيَّة فِي قُلُوبِهِم، وَإِحْيَاءِ الأمَلِ فِي نُفُوسِهِم، وَذَلِكَ بِحُسْنِ التَّفَقُّد، وَجَمِيلِ التَّعَوُّد، وَكَرِيمِ التَّعَهُّد، وَالتَّنْشِئَةِ عَلَى حُبِّ التَّخلُّقِ بِالفَضَائِل.
كَمَا تَقْتَضِي مُعَايَشَةُ حَيَاةِ الطُّلابِ دَيْمُومَةَ التَّوَاصُلِ؛ لِتَحْوِيلِ الطَّاقَاتِ المُتَرَهِلَّة، وَالهِمَمِ المُتَقَاعِسَةِ إِلَى عَمَلٍ إيجَـابِيٍّ وَسَعْيٍ حَثِيثٍ وَقْتَ الصَّيْفِ دُونَ حَيْف، وَالانْتِقَـال مِنْ طَوْرِ مُجَرِّدِ التَّوَقُّعَـاتِ وَالانْشِغَالِ بِالإرْهَاصَاتِ المُسْتَقْبَلِيَّةِ إِلَى عَمَلٍ جَادٍّ دَؤُوبٍ بِالاجْتِهَادِ فِي طَرْقِ أَبْوَابِ الخَيْر.
وَاعْلَمْ أَنَّ الإنْصَافَ أَحْسَنُ الأوْصَاف.
وَأَعْدَلُ النَّاسِ مَن أَنْصَفَ عَقلَهُ مِنْ هَوَاه.
وَشتَّانَ بينَ مُعَلِّمٍ يُمْدَح، مُعَلِّمٍ يُقْدَح.
فَأَيُّ وَصْفٍ يُحْمَد؟
وَأَيُّ كَلامٍ إِلَى الحَقِّ أَرْشَد؟
أيُّهَا المُعَلِّمُ المُتَعَلِّقُ بأسبَابِ الخيرِ، اصبرْ إنْ كُنتَ مِنْ بينِ الِمهنِ عَلَى وَجْهِ الخُصُوص، تُطَارَدُ كَاللُّصُوص.
فطِب نَفْسًا، وَقَرَّ عَيْنًا، وَلا يَغُرَّنَّكَ مَدْحٌ، وَلا يَضُرَّنَّكَ قدْحٌ، وَلْيَكُنْ إِقْدَامُكَ تَوَكُّلا، وَإِحْجَامُكَ تَأَمُّلا، وَلا تَسْتَجِبْ لِوَسَاوِسِ لَذَّاتِك، وَانْشَغِل بِعِمَارَةِ ذَاتِك.
وَاعْلَمْ أَنَّكَ إِذَا نَشَدْتَ الخَيْرَ فِي رِيَاضِ التَّرْبِيَةِ وَجَدْتَه، وَمَتَى طَلَبْتَ الحَقَّ فِي أَنْوَارِ الِعِلْمِ أَصَبْتَه.
فَرِفْعَةٌ عِنْدَ رَبِّ العَالَمِينَ خَيْرٌ مِنْ رِفْعَةٍ عِنْدَ النَّاسِ أَجْمَعِين.
وَتَأَمَّلْ بِقَلْبِكَ قَوْلَ رَبِّكَ تَبَارَكَتْ أَسْمَاؤُه: (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ).
والله المستعان.
كتبه
أشرف السيد الصباغ


تسرني زيارتكم، وتسعدني آراؤكم